ابن قيم الجوزية

253

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

له قاهر من نفسه ، فاحتياجه إلى قاهر فوقه يدخله تحت سياسة وإيالة ينتظم بها أمره ضرورة ، كحاجته إلى مصالحه من الطعام والشراب واللباس . وعند هؤلاء : أن العاقل متى كان له وازع من نفسه قاهر ، لم يحتج إلى أمر غيره ونهيه وضبطه . فمشهد هؤلاء : من حركات النفس الاختيارية ، الموجبة للجنايات ، كمشهدهم من حركات الطبيعة الاضطرارية ، الموجبة للتغيرات . وليس لهم مشهد وراء ذلك . المشهد الثالث : مشهد أصحاب الجبر . وهم الذين يشهدون أنهم مجبورون على أفعالهم ، وأنها واقعة بغير قدرتهم ، بل لا يشهدون أنها أفعالهم البتة . يقولون : إن أحدهم غير فاعل في الحقيقة ولا قادر ، وأن الفاعل فيه غيره والمحرك له سواه . وأنه آلة محضة ، وحركاته بمنزلة هبوب الرياح ، وحركات الأشجار . وهؤلاء إذا أنكرت عليهم أفعالهم احتجوا بالقدر . وحملوا ذنوبهم عليه . وقد يغالون في ذلك ، حتى يروا أفعالهم كلها طاعات . خيرها وشرها ، لموافقتها للمشيئة والقدر . ويقولون : كما أن موافقة الأمر طاعة ، فموافقة المشيئة طاعة . كما حكى اللّه تعالى عن المشركين إخوانهم : أنهم جعلوا مشيئة اللّه تعالى لأفعالهم دليلا على أمره بها ورضاه . وهؤلاء شرّ من القدرية النفاة ، وأشد منهم عداوة للّه ، ومناقضة لكتبه ورسله ودينه . حتى إن من هؤلاء من يعتذر عن إبليس ، ويتوجع له ، ويقيم عذره بجهده . وينسب ربه تعالى إلى ظلمه بلسان الحال والمقال ، ويقول : ما ذنبه ، وقد صان وجهه عن السجود لغير خالقه ؟ وقد وافق حكمه ومشيئته فيه وإرادته منه ؟ ثم كيف يمكنه السجود ، وهو الذي منعه منه وحال بينه وبينه ؟ وهل كان في ترك السجود لغير اللّه إلا محسنا ؟ ولكن : إذا كان المحب قليل حظ * فما حسناته إلا ذنوب وهؤلاء أعداء اللّه حقا ، وأولياء إبليس ، وأحباؤه وإخوانه . وإذا ناح منهم نائح على إبليس ، رأيت من البكاء والحنين أمرا عجبا . ورأيت من ظلمهم الأقدار ، واتهامهم الجبار ما يبدو على فلتات ألسنتهم ، وصفحات وجوههم ، وتسمع من أحدهم من التظلم والتوجع ما تسمعه من الخصم المغلوب العاجز عن خصمه ، فهؤلاء هم الذين قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية في تائيته : ويدعى خصوم اللّه يوم معادهم * إلى النار طرّا فرقة القدرية المشهد الرابع : مشهد القدرية النفاة . يشهدون أن هذه الجنايات والذنوب ، هم الذين أحدثوها وأنها واقعة بمشيئتهم ، دون مشيئة اللّه تعالى ، وأن اللّه لم يقدّر ذلك عليهم ولم يكتبه ، ولا شاء ، ولا خلق أفعالهم ، وأنه لا يقدر أن يهدي أحدا ولا يضله إلا بمجرد البيان . لا أنه يلهمه الهدى والضلال ، والفجور والتقوى ، فيجعل ذلك في قلبه .